
غلاف الرواية الأصلية وقت صدورها عام 1857م - وغلاف الطبعة الأولى لدار المدى عام 2007م
.
.
Madame Bovary تصنف من روائع الأدب العالمي في القرن الماضي. كان لها دور كبير و مؤثر في تطوير الأعمال الروائية الأوروبية والعالمية. غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert 1821 – 1880) مؤلف الرواية الفرنسي يعد من عظماء الروائيين الغربيين والذي أسس بهذه الرواية أول لبنات المدرسة الواقعية والتي تعتمد على الوصف والتصوير ورصد الواقع بعيداً عن ذات الكاتب و مشاعره و أحاسيسه وميوله الشخصية والتي تتسم بها المدرسة الرومنتيكية المسيطرة في ذلك الوقت.
بين يدي الطبعة الأولى لدار المدى بترجمة وتحقيق د. محمد مندور -رحمه الله- الصادرة عام 2007م وتحمل الرقم 11 ضمن سلسة “أعمال خالدة” بقطع متوسط من 423 صفحة.
استمتعت بقراءة هذه الرواية آواخر العام 2007 … واستمتعت أكثر بمحاولة فهم شخصية مدام بوفاري أو إيما وتحليل تركيبتها النفسية والعاطفية المضطربة ففي كل لوحة من لوحات حياتها وعلاقاتها ورغباتها وانفعلاتها حالة تستحق النظر والتأمل عميقاً، بداية من تربيتها وترعرعها في دير أرسلين بروان على أيدي الراهبات، وكيف كانت تعيش التناقض بين تعاليم الدير وشغفها بالقصص والروايات الرومانسية (المحظورة) التي كانت تطلع عليها خلسة وتأثير ذلك عليها مستقبلاً في قصة بحثها عن الحب والحياة الوردية وزواجها من شارل بوفاري وخيبة أملها في برود علاقتها معه مع حبه الشديد لها .. وكيف تفجرت في داخلها كل انفعالات اللذة في حفلة برجوازية مترفة غيرت مجرى حياتها وأوقدت في نفسها رغبة الحب و اشتعالاته .. وكيف دفعها ذلك للخيانة والسقوط في هوة علاقات متداخلة ومتناقضة كانت سبباً في تدهور حياتها و انتحارها ..
اتهم غوستاف فلوبير وناشر روايته سنة 1856م بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة وإلى الدين و تسويغ الرذيلة وكانت مرافعة المدعي العام تمثل وجه نظر المجتمع الفرنسي (الرسمي) بينما تمثل مرافعة الدفاع وجهة نظر الكاتب و تيار من المثقفين وقتئذ مبيناً أن هذه الرواية إنما هي دينية أخلاقية من خلال الدعوة للفضيلة ببشاعة الرذيلة .. وقد حكمت المحكمة ببراءة المتهمين وسقوط الدعوى .. بعدها أخذت الرواية زخماً عالمياً وترجمت لعدة لغات كما أنتجت أكثر من مرة في فترات مختلفة كفيلم سينمائي.
حقيقةً بعد قراءتي لهذه الرواية و نصوص مرافعات الاتهام والدفاع والحكم في محاكمة الكاتب (والتي تميزت بها طبعة دار المدى) أثارت في نفسي تساؤلات عدة، وفتحت الباب على مصراعيه لمراجعة ومناقشة بعض سلوكيات مجتمعنا وعاداته واعتقاداته بكل تجرد إلا من تعاليم ديننا والثابت الراسخ من موروثنا الثقافي والاجتماعي في ظل ما نعيشه من حراك فكري وثقافي واجتماعي لمخاض مرحلة جديدة ستتشكل خلال العقد الحالي كما أعتقد.
من فرط واقعية الرواية وبعد مرور القرن والنصف على صدورها أستطيع وببساطه شديدة إسقاط بعض المواقف والأحداث وردود الأفعال التي حفلت بها أو أحدثتها على واقعنا المعاصر وما نعيشه من قصص نسمعها أو نقرأها من خلال الصحف اليومية و مجالسنا الخاصة، فهل يا ترى لذلك دلالات و مؤشرات معينة؟؟
برايفت:
كانت تدوينة “امرأة تعيش بين غلافين ولاتنسى” للأخت ريم في مدونتها “حياد مركب” هي المحفز لكتابة هذه التدوينة والتي هي إعادة صياغة لتعليقي هناك.
