أرشيف ‘قراءة’ التصنيف

مدام بوفاري

فبراير 10, 2009
madame-bovary

غلاف الرواية الأصلية وقت صدورها عام 1857م - وغلاف الطبعة الأولى لدار المدى عام 2007م

.

.

Madame Bovary تصنف من روائع الأدب العالمي في القرن الماضي. كان لها دور كبير و مؤثر في تطوير الأعمال الروائية الأوروبية والعالمية. غوستاف فلوبير (Gustave Flaubert 1821 – 1880) مؤلف الرواية الفرنسي يعد من عظماء الروائيين الغربيين والذي أسس بهذه الرواية أول لبنات المدرسة الواقعية والتي تعتمد على الوصف والتصوير ورصد الواقع بعيداً عن ذات الكاتب و مشاعره و أحاسيسه وميوله الشخصية والتي تتسم بها المدرسة الرومنتيكية المسيطرة في ذلك الوقت.

بين يدي الطبعة  الأولى لدار المدى بترجمة وتحقيق د. محمد مندور -رحمه الله- الصادرة عام 2007م وتحمل الرقم 11 ضمن سلسة “أعمال خالدة” بقطع متوسط من 423 صفحة.

استمتعت بقراءة هذه الرواية آواخر العام 2007 … واستمتعت أكثر بمحاولة فهم شخصية مدام بوفاري أو إيما وتحليل تركيبتها النفسية والعاطفية المضطربة ففي كل لوحة من لوحات حياتها وعلاقاتها ورغباتها وانفعلاتها حالة تستحق النظر والتأمل عميقاً، بداية من تربيتها وترعرعها في دير أرسلين بروان على أيدي الراهبات، وكيف كانت تعيش التناقض بين تعاليم الدير وشغفها بالقصص والروايات الرومانسية (المحظورة)  التي كانت تطلع عليها خلسة وتأثير ذلك عليها مستقبلاً في قصة بحثها عن الحب والحياة الوردية وزواجها من شارل بوفاري وخيبة أملها في برود علاقتها معه مع حبه الشديد لها .. وكيف تفجرت في داخلها كل انفعالات اللذة في حفلة برجوازية مترفة غيرت مجرى حياتها وأوقدت في نفسها رغبة الحب و اشتعالاته .. وكيف دفعها ذلك للخيانة والسقوط في هوة علاقات متداخلة ومتناقضة كانت سبباً في تدهور حياتها و انتحارها ..

اتهم غوستاف فلوبير وناشر روايته سنة 1856م بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة وإلى الدين و تسويغ الرذيلة وكانت مرافعة المدعي العام تمثل وجه نظر المجتمع الفرنسي (الرسمي)  بينما تمثل مرافعة الدفاع وجهة نظر الكاتب و تيار من المثقفين وقتئذ مبيناً أن هذه الرواية إنما هي دينية أخلاقية من خلال الدعوة للفضيلة ببشاعة الرذيلة .. وقد حكمت المحكمة ببراءة المتهمين وسقوط الدعوى .. بعدها أخذت الرواية زخماً عالمياً وترجمت لعدة لغات كما أنتجت أكثر من مرة في فترات مختلفة كفيلم سينمائي.

حقيقةً بعد قراءتي لهذه الرواية و نصوص مرافعات الاتهام والدفاع والحكم في محاكمة الكاتب (والتي تميزت بها طبعة دار المدى) أثارت في نفسي تساؤلات عدة، وفتحت الباب على مصراعيه لمراجعة ومناقشة بعض سلوكيات مجتمعنا وعاداته واعتقاداته بكل تجرد إلا من تعاليم ديننا والثابت الراسخ من موروثنا الثقافي والاجتماعي في ظل ما نعيشه من حراك فكري وثقافي واجتماعي لمخاض مرحلة جديدة ستتشكل خلال العقد الحالي كما أعتقد.

من فرط واقعية الرواية وبعد مرور القرن والنصف على صدورها أستطيع وببساطه شديدة إسقاط بعض المواقف والأحداث وردود الأفعال التي حفلت بها أو أحدثتها على واقعنا المعاصر وما نعيشه من قصص نسمعها أو نقرأها من خلال الصحف اليومية و مجالسنا الخاصة، فهل يا ترى لذلك دلالات و مؤشرات معينة؟؟

برايفت:

كانت تدوينة “امرأة تعيش بين غلافين ولاتنسى” للأخت ريم في مدونتها “حياد مركب” هي المحفز لكتابة هذه التدوينة والتي هي إعادة صياغة لتعليقي هناك.

سيقان ملتوية

ديسمبر 8, 2008

seeqan-multawyah

رواية قصيرة لزينب حفني من القطع المتوسط بـ 132 صفحة من إصدارات “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” ببيروت – لبنان يحمل غلافها الأبيض إسم المؤلفة وعنوان الرواية يعلوان لوحة للفنان الأمريكي Alfred Alexander Gockel.

يعجبني في زينب حفني إيمانها بقضيتها التي تنافح عنها في معظم رواياتها وكتاباتها المختلفة والتي تتمحور حول المرأة وحقوقها المسلوبة وحريتها المقيدة من قبل المجتمع الذكوري باسم العادات والتقاليد والدين، هذا الإيمان الذي يدفعها إلى مواصلة تمردها على مجتمعها وعاداته وبعض (ممارساته الدينية) في إنتاج الجديد من إبداعاتها السردية و التي من خلالها تستطيع أن تقول مالا يقال صراحة على أرض الواقع بكل جرأة وتأتي هذه الرواية كآخر صرخة تمرد واستنكار -ولن تكون الأخيرة- ضد ما تراه ظلماً للمرأة ولكرامتها وسلباً لحقوقها وحريتها كإنسان ذات قيمة ومسؤولية.

ولكن مالايعجبني فيها هو المبالغة حد (التطرف) أحياناً في الوصف السلبي لمجتمعنا السعودي وكأنه مجتمع بدائي يرضخ بكل سذاجة لعادات بائدة وتقاليد بالية ودين (مشوه) يسيطر فيه الرجل بكل جبروت على المرأة المظلومة و المغلوبة على أمرها، وكذلك تعريضها لبعض تعاليم الاسلام ومظاهره و لمزها دون الاكتراث لكونها تعاليم منزلة من رب السماوات فيها اختبار للحرية الشخصية مقرونة بمبدأ الثواب والعقاب؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. كما أن الكاتبة لا تنفك تستعمل الجنس ومشاهد الاغراء كأداة جذب للقارئ أحياناً وأحياناً لدواعي الحبكة وإن كانت تبرر ذلك دائماً بأن الجنس من الممارسات اليومية التي يجب أن لا نتحرج منها.

تتمحور فكرة الرواية حول قضية “حرية المرأة” وقيمتها الإنسانية التي تحتم عليها عدم الرضوخ لسيطرة الرجل أباً أو أخاً أو زوجاً وامتلاكها لكامل الصلاحيات والحقوق في اختيار حياتها والتمرد على كل العادات والتقاليد (السعودية) التي تقف بكل قسوة وتخلف دون ذلك. بطلة هذه الرواية “سارة” الفتاة السعودية الجنسية، الإنجليزية المولد والنشأة وكذلك التعليم والهوية، تسرد قصة تمردها على أبيها و (هروبها) مع عشيقها زياد الفلسطيني الذي تزوجته بطريقة أشبه بالسر دون علم أهلها و بدون مراسم زواج بهيج تحلم بها أي فتاة، كممارسة عملية لحريتها التي منحتها لها انسانيتها ومجتمعها الإنجليزي والتي حاول والدها سلبها إياها بمجرد محاولة تطبيق عاداته (السعودية) وذلك بعد صراعات منطق الاختيار والفرض، الانفتاح والتقوقع، الحرية والقمع والاستبداد من خلال قصص شخصيات الرواية الأخرى: مساعد والد سارة، ربييكا صديقة سارة، زياد عشيق سارة، هيا ابنة عم سارة.

إن لكل مجتمع معايير إنسانية ثقافية وبيئية ودينية صنعت (ولا تزال تصنع) المفاهيم التي تنعكس في تصرفات وسلوكيات وممارسات الفرد وردود أفعاله وتقننها وتحدد لون المنظار وتركيزه البؤري والذي يرى من خلاله الحياة وقوانينها ، كما تحدد أطر الحريات ومعطياتها و مدى اتساع دوائرها. فالحرية لاتعني ولن تكون بخلع القيم والمفاهيم لأنه لاوجود لهذه الحالة إلا لمن اختار أن يخلع مفاهيم وقيم مجتمعه لأن يجد في قيم ومفاهيم غيره متسع من الحرية يمارس فيه ما توافق مع هواه أو قل تفكيره من سلوكيات و ممارسات خاطئة.

إن مجرد إسقاط الضوء على بعض المعايير الانسانية لمجتمعنا السعودي وإعادة التفكير فيها و صياغتها وفقاً للمنهج العام والأصلي المستمد من الدستور التشريعي لكل نواحي حياتنا الفردية والجماعية، الخاصة والعامة، العبادية والمعاملاتية والذي يميزنا كمسلمين، هو في حد ذاته أمر إيجابي أقدر وأحترم عالياً كل من يبادر فيه و يعلق الجرس ويرص لبنة في جدار التجديد والتطور الفكري والسلوكي، لأنه يوجد لدينا بعض المفاهيم الخاطئة أو تلك التي تحتاج إلى تجديد أو سوء فهم لأخرى ولا وجود لقدسية لأي مجمتع غير ما أمرنا ديننا بتقديسة وكان خارج دائرة النقد أو التغيير، أقدر ذلك وأحترمه ولكن دون استغفال لنا أو غلو في النظرة السوداوية لمجتمعنا.