
مصدر الصورة غير معروف
على صوت محمد عبده وهو يترنم بـ “مساء الخير والإحساس والطيبة” وفي تخوم مدينة الرياض كنت أقود سيارتي ليلاً تحت ضوء القمر الذي يتلألأ بدراً و يتراقص في ابتهاج مع دندناتي … أتهادى برفق في عتمة و هدوء طريقي الزراعي الصغير مندساً ما بين أسوار البساتين وقد حفت به الأشجار الكبيرة المتشابكة ملقية بظلالها على طريقي كأنما انحنت هاماتها على جانبيه في حبور وأدب جم لتلقي علي تحية المساء، أبادلها التحية بنَفَس عميق أملئ به صدري من هوائها الرطب الممتلئ برائحة النخيل وحقول الحنطة .. يعب بمرح في جنبات سيارتي من خلال نوافذها الأربع وفتحة السقف .. ينتشلني إلى حيث نشوة لذيذة ترتعش معها روحي بهجة وارتياحاً … ولأنني أحبها ؛ أراد هاتفي المحمول أن يزيد من نشوتي حين أضاء شاشته وأطلق نغمته معلناً اتصالها .. أجبتها مردداً مع “فنان العرب” بطرب وفرح
هلا باللي يصيب العطر بالريبة
يقول العطر أنا زايل و يبقى بي
هلا باللي يقول الورد وش لي به
من المهدى ؟ أنا أو هو لأطيابي
هلا باللي عجزت ألقى عذاريبه
هلا باللي تحبه كل أسبابي
مساءٍ فاق كل الشعر ترحيبه
(باتصال) من سكن جفني و أهدابي
مساءٍ فاض بالإحساس و الطيبة
مساءٍ ما يليق إلا بأحبابي
غرقتْ بكل هذا الطوفان من الترحيب والغزل حينما جاءها صوتي راقصاً من خلال هاتفها المحول … هتفت بابتسامتها العذبة مندفعة بكلماتها المعتادة عندما تدهشها شقاوتي أحياناً:
- هَوْ … بسم الله عليك الرحمن الرحيم .. مانت بصاحي .. تبي من يقرا عليك
- ليش يا حياتي.. علشاني أعبر عن اللي بقلبي لك؟!! إذا ما تبينه ترى أسحبه … خبرك .. قليل خاتمة مثل ما تقولين
- إي والله قليل خاتمة .. كل مرة تشغل قلبي عليك وتخليني أحاتيك
- سلامة قلبك وعمرك .. من لي بهالدنيا غير هالقلب يا فديته
- من يوم يومك وأنا أقول إني أخاف عليك من نفسك .. دايماً أقولك لا تروح لحالك بس ماتاخذ العلم
- وش دعوة!! اللي يسمعك يقول بروح لأدغال أفريقيا؟؟ .. كلها 100 كلم مشوار للمزرعة كالعادة
- بس أخاف عليك تروح لحالك بالليل .. الجماعة زينة .. والخوي يسليك ويقويك
- ماهنا إلا العافية والسلامة .. إنتي وكلي ربك وإن شاء الله كل شي زين .. وبعدين إنتي عارفة إني موظف مستجد ومجتهد وما أطلع من الدوام إلا متأخر ويادوبك ألحق أول الليل عندهم .. وكل الشباب الفالحين مسنترين هناك من العصر يعني مافيه أحد بيخاويني .. أخ بس ياليتني موظف حكومي و إلا مدرس مثلهم وافتكيت من تعب الشركات وغثاها.
- المهم انتبه لطريقك ولا تسرع .. الله يوفقك ويحفظك ويخليك لي
- ويخليك لي بعد إنتي يا غلى الدنيا وغلاي
- انتبه لنفسك وطمني عليك إذا وصلت، وترى معك أمانه .. ما ترجع لحالك
- تامرين أمر .. ولا يهمك، كم نوره عندي أنا؟؟
- في أمان الله
- مع السلامة
أغلقت أمي الغالية الاتصال .. كعادتها القديمة تطمئن علي بين وقت وآخر خصوصاً إذا خرجتُ للمزرعة نهاية الاسبوع في موعد مع أصدقائي القدامى، فلست في نظرها سوى طفلها الصغير حتى وإن اشتعل رأسي شيباً كما تقول وتردد دائماً في غرور وقد فتحت عينيها على استاع بياضهما مادة عنقها ووجهها الصبوح تجاهي.
أمي إمرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها .. لكن هذا فقط في مقياس السنوات، وإلا فإن روحها وشخصيتها لا تزال تلهو كـ وردة عشرينية في ربيع شبابها تعبق بكل حنان الأرض .. متجددة في وقار .. تحب الحياة وتعيشها بكل رغبة و حيوية، مؤمنة بدورها كأم وزوجة وكفرد منتج في المجتمع .. تحب بناتها الأربع تماماً كما تحبني وإن كانت تقول أحياناً بتوددها المشاكس: “لو أن الله رزقها بولد آخر لكنتُ ممن يتوسلون رضاها، أويتسولونه عند غيرها ولكن كان حظي أن أكون وحيدها لألوي ذراعها”. لم تحض من التعليم بأكثر من الشهادة الثانوية لكنها أكثر حكمة ورجاحة عقل من كثير ممن يمهرون أسماءهم بسابقة متعددة الحروف. تحب القراءة .. تقرأ كل ما يقع تحت يديها وأحياناً لا تكمل أول صفحة منه إذا ما أصابها ملل الانطباعات الأولى .. قرأتْ للقصيبي و لقماشة العليان و للقرني و لباتريك و إيزابيل ولغادة السمان هذه الغادة التي دائماً تقول أنها تشبهها كثيراً ولو لم تكن هي أمنا نورة لكانت هي غادة، استفادت كثيراً من مكتبة أبي سواءً العلمية المنهجية أو الثقافية وخصوصاً ذلك الرف الممهور بلوحة صغيرة مكتوب عليها بخط يده الذي طالما حاولتُ تقليده ولكن بفشل ذريع “ممنوع الاقتراب أو العبث إلا من نورتي” وكأنها دعوة علنية منه لاستكشاف ما يحويه هذا الرف من كتب (محرمة).
في أثناء الطريق تذكرت الحادث المروع الذي حدث قبل أشهر بين سيارة صغيرة وصهريج محروقات وراح ضحيته سائق السيارة الصغيرة وعامل آسيوي يعمل في مزرعة بالجوار كان يقود دراجته عائداً من محطة وقود قريبة يبدو أنه كان يقضي منها مستلزماته اليومية، مات متأثرا بحروق بالغة جراء انفجارالصهريج .. لا أدري لماذا خطر لي هذا الحادث الآن .. ربما لخوف أمي علي وإحساسي بأني أعذب راحتها و أشعل قلقها علي دائماً .. تذكرت كيف اعتصرتني في حضنها بكل قسوة أشواقها وهي تبكي وتشرق بدمعها حينما خرجتُ من المستشفى بعد عارض صحي مفاجئ .. تمادت بي الهواجس وأخذت منحىً أزعجني كثيراً رأيت فيها أمي بحلة سواد داكن متلفعة بحزنها وقد إحمرت عيناها واغرورقت بدموعها .. فجأة .. سمعت صرخة دوت داخل سيارتي .. أفزعتني حتى فقدت السيطرة على السيارة وبلمحة خاطفة للخلف رأيت من خلال المرآه الجانبية خيال شيء ما لم استطع أن أتبين ما هو .. أهو إنس أم جني من سكان هذا الوادي .. هل هو حقيقة أم وهم .. كان يقف على جانب الطريق يلوح لي ويركض خلفي بترنح .. وبكل ذهول وبدون تفكير زدت من سرعتي .. وبعد ثوان قليلة توقفت ….