أرشيف ‘خواطر’ التصنيف

كل عام وانتي المـلاك ..

سبتمبر 29, 2009

moon angel

.

.

بعد عشرين يوم من اليوم

وقت ما كان موعدنا القديم

في أي مكان كنتي

إذا ودعت الشمس الأفق

وانتثر عقد النجوم

وازينت كل السما

وفاح عطر المسا

وابتدى الليل والسمر

وانتشى الورد والزهر

اسحبي حالك

لحالك

من بين هـ البشر

اختلي بقلبك

والنور

بعيدا في الهدوء

مع نسمات الخريف

في موعدنا القديم

ارفعي راسك

للسما

شوفي القمر

تأملي وجه البدر

عيشي جماله

و شموخه

لأني مثل عادتي بكون

من بعد موعدنا القديم

في نفس اللحظة .. والزمان

بس في غير المكان

أتأمله

مثل ما تأملته كثير

وأعيشه

مثل ما عشته كثير

وفي كل مره

ويا كثرها من مره

يمرني طيفك

على صفحة وجه القمر

ومن لهفتي

وبكل نبض قلبي .. وجرحي

أصوت له

أقول ..

كل عام وانتي ملاكي

.

ويـك إنـــد (2)

يوليو 10, 2009

.

lonely-girl

* ويـك إنـــد (1) هنا

.

.

يتهادى قرص الشمس البرتقالي متوقداً نحو الغروب خلف غيوم يوم من أيام تشرين الباردة في مدينة الرياض، تتسلل خيوط الأصيل الذهبية دافئةً إلى غرفتها من خلال ستائر الشيفون البيضاء المطرزة بلون الزهر لتنعكس على أجزاء من خدها وعينها اليسرى، وفي تثاقل تنقلب على جنبها الآخر ساحبة غطاءها الوثير لتغطي رأسها وما تعرى من جسدها الغض هروباً من الضوء وطمعاً في المزيد من الدفء والنوم، يرن هاتفها المحمول بنغمة تعرفها جيداً و تحبها كثيراً، اختارتها بعناية لتمتزج بنبضات قلبها في كل مرة يتصل بها، وبسرعة قفزت تتلمس هاتفها الذي اعتادت أن تضبطه على وضع السكون بجوار سريرها فوق دفتر مذكراتها، تستمتع كثيراً بعد أن تستيقظ بوجود اتصال مفقود أو رسالة نصية جديدة، لكنها هذه المرة أبقته على وضع التشغيل، كانت تنتظر هذا الاتصال، ربما هو ما كدر نومها و منعها من الاستغراق على غير العادة، ترد بسهاد يغلق عينيها على وليد الذي عاتبها لأنها لا تزال نائمة ولم تهتم كعادتها بموعده المنتظر معها ، أنهت المكالمة بقبلاتها الحارة بعد أن اعتذرت له للمرة العاشرة بحجة حقيقية هذه المرة فوالدها سيصل مساءً من سفره الذي لا ينقطع أبداً.

نوف فتاة في الثانية والعشرين من يتمها، فتحت عينيها الجميلتين على الدنيا فكان عزاء أمها التي توفيت فور ولادتها. تربت في بيت جدها وعندما بدأت دراستها الابتدائية انتقلت لتعيش مع والدها و زوجته وأبناءه الصغار. أحبها والدها كثيراً ربما شفقة على يتمها رضيعة وتنقلها بين عماتها وخالاتها استجداءً لحنان ترضعه من صدورهن، أو لربما أنها تستثير ذاكرته وشوقه لأمها لفرط ما أخذت من ملامحها وجمالها؛ كان يحب أمها حباً جنونياً لا يوازيه سوى جنونه يوم أن غادرت الدنيا وتركت له قطعة منها، كأنما أرادت أن تكون هدية أبدِّية تضمن بها وفاء قلبه وتخفف عليه لواعج فقدها. منذ أول يوم خرجت فيه كلمة “بابا” من بين شفتي نوف الصغيرتين كقطعة سكر، لم يتوقف أباها عن تلقينها كلمة “ماما” و حب “ماما” التي لم يغب طيفها عن ناظريه وأراد أن يحيي ذكرها من جديد، كان كثيراً ما يحتضنها و يحكي لها عن أمها، فتح لها قلبه لتقرأ بدموعها ما كتبه الزمن في عامين عن أمها قبل أن يستوقفه القدر. كثيراً ما تطرق باب غرفته في ساعة متأخرة بعد منتصف الشوق و الظمأ لحنان أم رؤم تلجئ إليها كلما خفق قلبها الصغير ..

أمي ياكل الأمان (1)
أمي ياكل الحنان
يا أغلى إسم بلساني غنيته
يا أحلى رسم بعيوني خشيته
لي ضاق صدري وزادت أحزاني
من غيرك يا يمه يرعاني

يا نهر جاري على مر الزمان

أمي ياكل الأمان
أمي ياكل الحنان

تستعيض بذكريات والدها عن حنان أمها وأمانها، في كل مرة تصر عليه أن يعيد القصص والذكريات ذاتها، تحاول أن تعتصر ذاكرته لعلها تحظى بقطرة من رائحتها و دفئ حضنها الذي لم تعرفه سوى من خلال صورها و وشالها و قارورة عطرها.

ضمّي ملامح صورتها ..(2)
ضمّيها يمكن تفيق ..
تشهق أو ترد النفس ..
صوتها جرس ..
ينحب على بوابة الليل ..
يوقظ خدر جرحك ..
يتل من عينك احبال الدّمع
ضمّيها يمكن سمعت ..
انك تحبيها .. انك تحبيها ..

أهملتها زوجة أبيها فلم تحبها أبداً، لم تكن قاسية عليها ولكنها لم تمنحها شيئاً من حنانها واهتمامها الذين تغدقهما على أبناءها، كانت تنظر إلى نوف بشيء من الغيرة، تستفزها صور أمها المعلقة في إطارات مذهبة على جدران غرفتها وفوق مكتبها الصغير وداخل خزانات الكتب المفتوحة، أجبرتها على الاحتفاظ بها في ألبوم خاص داخل أدراج غرفتها. أوكلت أمور رعايتها لخادمتها الأسيوية واكتفت بسؤالها بين الحين والآخر عن دراستها و احتياجاتها الأخرى. رغم ذلك كانت مرحة، تزرع الفرحة والبهجة أينما حلت، أحبها الجميع  خصوصاً أخوتها الصغار، تتسلل إلى القلوب كرائحة عطر ناعمة، استطاعت أن تكسب صداقات وعلاقات كثيرة، حظيت بتكريم معلماتها وزميلاتها بعد أن أنهت دراستها الثانوية بامتياز، لم تتمالك نفسها حينما سألتها معلمتها عن أمنياتها في هذه اللحظة، سكتت قليلاً .. ثم انهمرت دموعها على خديها كبلورات من الكريستال وغرقت في شهقات متقطعة تهز كتفيها وهي تحاول جاهدة أن تحبسها في صدرها، قالت وهي تبتلع عبرتها و تكفكف دمعها براحة يدها اليمنى وأطراف أناملها “أتمنى لو أن أمي كانت تقف أمامي في هذه اللحظة لأرتمي في حضنها وافترش لي من دفئ أمانها مقعداً للفرح والأماني الجميلة”. أشار لها والدها أن تتخصص في إدارة الأعمال فهو بحاجة لمساعدة ذكية و سكرتيرة جميلة يحبها وتحبه ولن يجد أذكى ولا أجمل منها في ظل غيرة زوجته الشديدة، ضحكت نوف وهوت لتتوسد حجر أبيها وتطوقه بيديها، قالت وقد دست رأسها في حضنه: “إن كان ذلك كفيل بأن أبقى معك طوال الوقت فناولني عقد الوظيفة لأوقعه الآن”.

استيقظت نوف من قيلولتها المعتادة وقت العصر بعد خروجها من الجامعة، أعادت النظر إلى هاتفها المحمول لتتأكد من مكالمتها الأخيرة، تتأمل في الاسم والصورة وابتسامة ناعسة تعكس على محياها نعومة مضيئة، في هذه الأثناء تذكرت والدها الذي سيصل إلى الرياض هذه الليلة بعد رحلة عمل طالت هذه المرة، نهضت مسرعة يدفعها شوقها وحبها له. كان شوقها هذه المرة مختلفاً .. حاجتها له مختلفة .. كانت تشعر برغبة ملحة للجلوس معه .. والحديث معه .. ربما أرادت الهروب من همومها ولو بشكل مؤقت لأنها لم تستطع أن تخبره بها لعلمها أنها قد تغضبه أو تخيب أمله .. ولكنها في المقابل تعتقد أنها لم تقترف إثماً .. لم تعد قادرة على التفكير .. فعواطفها قد سيطرت عليها في اتجاهين متناقضين يتجاذبانها كضحية بينهما لم تعد تملك من أمرها شيء في ظل غياب أبوها المتواصل وتجاهل زوجته لها .. كانت تنظر إلى عينيها من خلال المرآة وهي تسرح شعرها .. كانت تبحث عن نفسها .. تبحث عن مرسى لقلبها الذي يصارع أمواج الحياة العاتية وهي لا تمتلك بوصلة النجاة .. لا تدري أترسو إلى جنة أم ستغرق في اليم. قطع تفكيرها رنين هاتفها المحمول، تتأمل في اسم المتصل الذي اختارته له “ملاذي” تفاجأت وكأنها لأول مرة تقرأ هذا الاسم، لا تتذكر متى و لماذا سمت وليد بهذا الاسم .. طرأت في مخيلتها فكرة أزعجتها ولكنها طردتها مباشرة قبل أن تفسد عليها فرحتها باتصال وليد ..

[يتبع]

—————————

(1) أغنية قديمة لرباب

(2) مع الاعتذار الشديد للبدر، قصيدة لبدر بن عبدالمحسن بتصرف

حينما أشعر بالضعف … أحتاج لهـــا

يناير 23, 2009
m7taj

.

realplyerبصوت ابو نوره

.

محتاج لها .. تروي حياتي بهمسها
هيَّ الحياه .. بالنِّسبه لي
بحلوها وبمرَّها .. محتاج لها
.

.

كل صباح .. ترفرف طيور الشوق المحبوسة في صدري بألم جديد .. تهز بأجنحتها جدران القلب المنهك بجمود الحزن منذ أول يوم بعد فراقك .. أشرِّع نوافذ الحنين لها كي ما تغدو خماصاً لوجهكِ الملائكي، فتحلق عالياً نحو مملكتكِ الساحرة التي لم أعد أرى منها سوى طيفكِ الجميل .. أتمثله .. أتأمله .. أتحسسه .. فيتلاشى غارساً في قلبي حقيقة فقدكِ .. وتروح لصدري من جديد طيورُ الشوق بطاناً حسرةً وتوعكاً، ويردد قلبي بكل عطش و حنين “محتاج لهــا”.

.

.

محتاج لها .. تروي حياتي بهمسها
هيَّ الحياه .. بالنِّسبه لي
بحلوها وبمرَّها .. محتاج لها

ويـك إنـــد (1)

نوفمبر 27, 2008
weekend-1

مصدر الصورة غير معروف

على صوت محمد عبده وهو يترنم بـ “مساء الخير والإحساس والطيبة” وفي تخوم مدينة الرياض كنت أقود سيارتي ليلاً تحت ضوء القمر الذي يتلألأ بدراً و يتراقص في ابتهاج مع دندناتي … أتهادى برفق في عتمة و هدوء طريقي الزراعي الصغير مندساً ما بين أسوار البساتين وقد حفت به الأشجار الكبيرة المتشابكة ملقية بظلالها على طريقي كأنما انحنت هاماتها على جانبيه في حبور وأدب جم لتلقي علي تحية المساء، أبادلها التحية بنَفَس عميق أملئ به صدري من هوائها الرطب الممتلئ برائحة النخيل وحقول الحنطة .. يعب بمرح في جنبات سيارتي من خلال نوافذها الأربع وفتحة السقف .. ينتشلني إلى حيث نشوة لذيذة ترتعش معها روحي بهجة وارتياحاً … ولأنني أحبها ؛ أراد هاتفي المحمول أن يزيد من نشوتي حين أضاء شاشته وأطلق نغمته معلناً اتصالها .. أجبتها مردداً مع “فنان العرب” بطرب وفرح

هلا باللي يصيب العطر بالريبة
يقول العطر أنا زايل و يبقى بي
هلا باللي يقول الورد وش لي به
من المهدى ؟ أنا أو هو لأطيابي
هلا باللي عجزت ألقى عذاريبه
هلا باللي تحبه كل أسبابي
مساءٍ فاق كل الشعر ترحيبه
(باتصال) من سكن جفني و أهدابي
مساءٍ فاض بالإحساس و الطيبة
مساءٍ ما يليق إلا بأحبابي

غرقتْ بكل هذا الطوفان من الترحيب والغزل حينما جاءها صوتي راقصاً من خلال هاتفها المحول … هتفت بابتسامتها العذبة مندفعة بكلماتها المعتادة عندما تدهشها شقاوتي أحياناً:

- هَوْ … بسم الله عليك الرحمن الرحيم .. مانت بصاحي .. تبي من يقرا عليك

- ليش يا حياتي.. علشاني أعبر عن اللي بقلبي لك؟!! إذا ما تبينه ترى أسحبه … خبرك .. قليل خاتمة مثل ما تقولين

- إي والله قليل خاتمة .. كل مرة تشغل قلبي عليك وتخليني أحاتيك

- سلامة قلبك وعمرك .. من لي بهالدنيا غير هالقلب يا فديته

- من يوم يومك وأنا أقول إني أخاف عليك من نفسك .. دايماً أقولك لا تروح لحالك بس ماتاخذ العلم

- وش دعوة!! اللي يسمعك يقول بروح لأدغال أفريقيا؟؟ .. كلها 100 كلم مشوار للمزرعة كالعادة

- بس أخاف عليك تروح لحالك بالليل .. الجماعة زينة .. والخوي يسليك ويقويك

- ماهنا إلا العافية والسلامة .. إنتي وكلي ربك وإن شاء الله كل شي زين .. وبعدين إنتي عارفة إني موظف مستجد ومجتهد وما أطلع من الدوام إلا متأخر ويادوبك ألحق أول الليل عندهم .. وكل الشباب الفالحين مسنترين هناك من العصر يعني مافيه أحد بيخاويني .. أخ بس ياليتني موظف حكومي و إلا مدرس مثلهم وافتكيت من تعب الشركات وغثاها.

- المهم انتبه لطريقك ولا تسرع .. الله يوفقك ويحفظك ويخليك لي

- ويخليك لي بعد إنتي يا غلى الدنيا وغلاي

- انتبه لنفسك وطمني عليك إذا وصلت، وترى معك أمانه .. ما ترجع لحالك

- تامرين أمر .. ولا يهمك، كم نوره عندي أنا؟؟

- في أمان الله

- مع السلامة

أغلقت أمي الغالية الاتصال .. كعادتها القديمة تطمئن علي بين وقت وآخر خصوصاً إذا خرجتُ للمزرعة نهاية الاسبوع في موعد مع أصدقائي القدامى، فلست في نظرها سوى طفلها الصغير حتى وإن اشتعل رأسي شيباً كما تقول وتردد دائماً في غرور وقد فتحت عينيها على استاع بياضهما مادة عنقها ووجهها الصبوح  تجاهي.

أمي إمرأة في أواخر الأربعينيات من عمرها .. لكن هذا فقط في مقياس السنوات، وإلا فإن روحها وشخصيتها لا تزال تلهو كـ وردة عشرينية في ربيع شبابها تعبق بكل حنان الأرض .. متجددة في وقار .. تحب الحياة وتعيشها بكل رغبة و حيوية، مؤمنة بدورها كأم وزوجة وكفرد منتج في المجتمع .. تحب بناتها الأربع تماماً كما تحبني وإن كانت تقول أحياناً بتوددها المشاكس: “لو أن الله رزقها بولد آخر لكنتُ ممن يتوسلون رضاها، أويتسولونه عند غيرها ولكن كان  حظي أن أكون وحيدها لألوي ذراعها”. لم تحض من التعليم بأكثر من الشهادة الثانوية لكنها أكثر حكمة ورجاحة عقل من كثير ممن يمهرون أسماءهم بسابقة متعددة الحروف. تحب القراءة .. تقرأ كل ما يقع تحت يديها وأحياناً لا تكمل أول صفحة منه إذا ما أصابها ملل الانطباعات الأولى .. قرأتْ للقصيبي و لقماشة العليان و للقرني و لباتريك و إيزابيل ولغادة السمان هذه الغادة التي دائماً تقول أنها تشبهها كثيراً ولو لم تكن هي أمنا نورة لكانت هي غادة، استفادت كثيراً من مكتبة أبي سواءً العلمية المنهجية أو الثقافية وخصوصاً ذلك الرف الممهور بلوحة صغيرة مكتوب عليها بخط يده الذي طالما حاولتُ تقليده ولكن بفشل ذريع “ممنوع الاقتراب أو العبث إلا من نورتي” وكأنها دعوة علنية منه لاستكشاف ما يحويه هذا الرف من كتب (محرمة).

في أثناء الطريق تذكرت الحادث المروع الذي حدث قبل أشهر بين سيارة صغيرة وصهريج محروقات وراح ضحيته سائق السيارة الصغيرة وعامل آسيوي يعمل في مزرعة بالجوار كان يقود دراجته عائداً من محطة وقود قريبة يبدو أنه كان يقضي منها مستلزماته اليومية، مات متأثرا بحروق بالغة جراء انفجارالصهريج .. لا أدري لماذا خطر لي هذا الحادث الآن .. ربما لخوف أمي علي وإحساسي بأني أعذب راحتها و أشعل قلقها علي دائماً .. تذكرت كيف اعتصرتني في حضنها بكل قسوة أشواقها وهي تبكي وتشرق بدمعها حينما خرجتُ من المستشفى بعد عارض صحي مفاجئ .. تمادت بي الهواجس وأخذت منحىً أزعجني كثيراً رأيت فيها أمي بحلة سواد داكن متلفعة بحزنها وقد إحمرت عيناها واغرورقت بدموعها .. فجأة .. سمعت صرخة دوت داخل سيارتي .. أفزعتني حتى فقدت السيطرة على السيارة وبلمحة خاطفة للخلف رأيت من خلال المرآه الجانبية خيال شيء ما لم استطع أن أتبين ما هو .. أهو إنس أم جني من سكان هذا الوادي .. هل هو حقيقة أم وهم .. كان يقف على جانب الطريق يلوح لي ويركض خلفي بترنح .. وبكل ذهول وبدون تفكير زدت من سرعتي .. وبعد ثوان قليلة توقفت ….

أفتقدهــا …

نوفمبر 7, 2008
she-left

ذات ليلة شاتية مطيرة … كنت نصف مستلقٍ على أريكتي الوثيرة أشم رائحة القهوة بكل دفء ولذة وهي تداعب شفتاي وأنفي قبل أن أرتشفها من فنجاني الأبيض المذهب بأناقة والذي أحتفظ به منذ ست سنوات بائسة. بعد كل رشفة … يسحرني الشوق … وتخذلني عيناي المتحجرتين في مآقيهما … أغمضهما بعد أن تعلقتا بأستار السماء … فيزداد المطر … وتعصف بقلبي رياحها … ويسري في جسدي الممدد تيارٌ من حزن كئيب. أتذكر تماماً همساتها المختلطة بعبق عطرها وخيوطٍ ناعمةٍ من خصلات شعرها وهي تقدم لي ذلك الفنجان بأناملها الرقيقة وقد علقت به بقايا من توت شفتيها … همست لي وقد برقت عيناها الناعستين بلهفة صادقة وشوق جارف كأنهار الربيع المتحدرة من قمم الحب الصافي:

- لكَ القلبُ وما نبض … ولكَ الحبُ .. وما كذب

تلعثمت الكلمات بين شفتيها و خارت قوى قلبها فأجهشت ببكاء صامت إلا من عبرات حزنها … استجمعت قواي و مددت يدي اليمنى أكفكف دمعها و أخفي داخل قلبي عواصف الخوف والقلق:

- ستنجحين بإذن الله – عديني فقط
- أخشى ألا أفي بوعدي لك .. ولكن عندي رجاء … من أجلي إبدء من جديد
- أنتِ أولي وآخري ولا جديد سواك .. سأنتظرك .. حتماً ستعودين .. أليس كذلك؟!

أسندت رأسها مابين كتفي وصدري وغادرت في بكاءها … وهي تتمتم … كم أحبك.

أنهكني الانتظار .. ويقتلي القلق كل ثانية .. أشعر بالمكان يضيق علي كلما صرخ منبه ساعة الحائط بمرور ساعة جديدة يتوارى خلفها أملي .. أهمس بدعوات وأصلي لله .. شخص بصري على باب غرفة العمليات عندما رأيته يتحرك ولم أسطع حراكاً … اقترب مني بهدوء و جائني صوته كالصاعقة: “عملنا كل شي ولكنها إرادة الله .. لقد رحلت”

قلبي و قسوة خريفها …

أكتوبر 25, 2008

مصدر الصورة غير معروف

بعد كل حوار معها … أشعر بدخان ساخن ينضغط داخل روحي حد الإنفجار الذي سيمزق أجزاءها .. يعصر قلبي حتى آخر قطرة حب حمراء خفق بها قبل أن تتخشب أنسجته …أشعر بهذا الدخان الخانق وهو لا يجد متنفساً غير عيني اللتين تتسعان عن بياض سرعان ما يشوبه حمرة تغشاها غلالة باهتة تحولهما إلى كرتين متحجرتين من البلاستيك تفقدان معها كل معاني الحياة والرغبة في الكلام … عندها يبدأ من جديد عجن سؤال بنكهة الإحباط والحسرة يتخمر في رأسي يوماً بعد يوم؛ هل أستطيع تغييرها؟ أم أنني لا بد أن أتغير؟!

مؤخراً وبعد تراكم الكثير و الكثير من خيبات الأمل الصفراء صرت لا أتقبل أسألتها الغبية ولا ضحالة تفكيرها الساذج الذي لا يتناسب وعمق جمالها الذي سحرني يوما ما، أصبحت أختصر إجاباتي .. أكتفي أحياناً بإيماءة خفيفة تجنباً للدخول في دهاليز حوار تافه قد أتوه فيها فلا أخرج سليم القلب والمزاج .. صرت أشمأز من جمالها الذي تحول إلى علامة فارقة للغباء المركب الذي يؤثر سلباً على حركة وكمية الدم التي تسري في عروقي فلا أستطيع النظر إليها مباشرة دون أن تتقلص وبشدة عضلات حاجبي بحركة غير إرادية.

صرت ألعن طرق الزواج (التقليدية) التي لم تمنحني حق الاختيار والاختبار الكاملين .. أتذكر تماماً ترددها في الدخول علي وقت الخطبة وجلوسها مطأطأة الرأس تبتلع خجلها بصعوبة والذي لم يمنحني – قبل أن يطلق ساقيها للريح – سوى بضع ثواني معدودة لم تساعدني على رسم ملامحها في عيني عدا بقايا شعور بارتياح ورضى اكتشفت لاحقاً زيفهما تماما كألوان قوس قزح لا تلبث أن تتلاشى مع سطوع الشمس وانقشاع السحب.

أحببتها أول الأيام … أغدقت عليها كل ما اكتنزه قلبي من صافي الحب و دافئ المشاعر نقية لم تمسهما أنثى قبلها .. ملئتُ حياتها فرحاً وبهجة .. فارتوى قلبها وأينع جسدها وتوردت وجنتاها .. أصبحت حديث كل مجلس تشرق عليه كفراشة الربيع .. تنالها أمنيات السعادة .. وتنهشها نظرات الحسد، ولم تكن تعي ذلك كله!! تعتقد يقيناً أن الرجل فقط هو من يعطي قلبه و عمره بلا حدود كمعين عذب زلال دون أي مقابل كفرض كتب عليه مع تحريرعقد الارتباط، لم تعي أن العلاقة تبادلية ذات طابع إنساني حميم تمتد بقوة عطاء الطرفين و تفاهمهما، لم تكن تعي أن المعين قد ينضب إذا لم يرتوي ويأسن إذا لم يجري ويتنفس حبها.

يوماً بعد يوم يفجعني فكرها وطريقة تفكيرها حد الذهول والسرحان في اللا شي كمن يبحث عن ما لا يعرفه، تحمل قلباً بلا عمق أو حياة خاوياً من كل شي سوى من رغبات الطفلة المدللة التي تعيش بلا هدف .. فقيرة لأي موهبة أو اهتمام .. لا تملك رأياً خاصاً أو شخصية مستقلة .. سلبت مني ثقتي بها عنوةً رغم محاولاتي اليائسة الدفاع عنها والحفاظ عليها.

[يتبع]