.

* ويـك إنـــد (1) هنا
.
.
يتهادى قرص الشمس البرتقالي متوقداً نحو الغروب خلف غيوم يوم من أيام تشرين الباردة في مدينة الرياض، تتسلل خيوط الأصيل الذهبية دافئةً إلى غرفتها من خلال ستائر الشيفون البيضاء المطرزة بلون الزهر لتنعكس على أجزاء من خدها وعينها اليسرى، وفي تثاقل تنقلب على جنبها الآخر ساحبة غطاءها الوثير لتغطي رأسها وما تعرى من جسدها الغض هروباً من الضوء وطمعاً في المزيد من الدفء والنوم، يرن هاتفها المحمول بنغمة تعرفها جيداً و تحبها كثيراً، اختارتها بعناية لتمتزج بنبضات قلبها في كل مرة يتصل بها، وبسرعة قفزت تتلمس هاتفها الذي اعتادت أن تضبطه على وضع السكون بجوار سريرها فوق دفتر مذكراتها، تستمتع كثيراً بعد أن تستيقظ بوجود اتصال مفقود أو رسالة نصية جديدة، لكنها هذه المرة أبقته على وضع التشغيل، كانت تنتظر هذا الاتصال، ربما هو ما كدر نومها و منعها من الاستغراق على غير العادة، ترد بسهاد يغلق عينيها على وليد الذي عاتبها لأنها لا تزال نائمة ولم تهتم كعادتها بموعده المنتظر معها ، أنهت المكالمة بقبلاتها الحارة بعد أن اعتذرت له للمرة العاشرة بحجة حقيقية هذه المرة فوالدها سيصل مساءً من سفره الذي لا ينقطع أبداً.
نوف فتاة في الثانية والعشرين من يتمها، فتحت عينيها الجميلتين على الدنيا فكان عزاء أمها التي توفيت فور ولادتها. تربت في بيت جدها وعندما بدأت دراستها الابتدائية انتقلت لتعيش مع والدها و زوجته وأبناءه الصغار. أحبها والدها كثيراً ربما شفقة على يتمها رضيعة وتنقلها بين عماتها وخالاتها استجداءً لحنان ترضعه من صدورهن، أو لربما أنها تستثير ذاكرته وشوقه لأمها لفرط ما أخذت من ملامحها وجمالها؛ كان يحب أمها حباً جنونياً لا يوازيه سوى جنونه يوم أن غادرت الدنيا وتركت له قطعة منها، كأنما أرادت أن تكون هدية أبدِّية تضمن بها وفاء قلبه وتخفف عليه لواعج فقدها. منذ أول يوم خرجت فيه كلمة “بابا” من بين شفتي نوف الصغيرتين كقطعة سكر، لم يتوقف أباها عن تلقينها كلمة “ماما” و حب “ماما” التي لم يغب طيفها عن ناظريه وأراد أن يحيي ذكرها من جديد، كان كثيراً ما يحتضنها و يحكي لها عن أمها، فتح لها قلبه لتقرأ بدموعها ما كتبه الزمن في عامين عن أمها قبل أن يستوقفه القدر. كثيراً ما تطرق باب غرفته في ساعة متأخرة بعد منتصف الشوق و الظمأ لحنان أم رؤم تلجئ إليها كلما خفق قلبها الصغير ..
أمي ياكل الأمان (1)
أمي ياكل الحنان
يا أغلى إسم بلساني غنيته
يا أحلى رسم بعيوني خشيته
لي ضاق صدري وزادت أحزاني
من غيرك يا يمه يرعاني
يا نهر جاري على مر الزمان
أمي ياكل الأمان
أمي ياكل الحنان
تستعيض بذكريات والدها عن حنان أمها وأمانها، في كل مرة تصر عليه أن يعيد القصص والذكريات ذاتها، تحاول أن تعتصر ذاكرته لعلها تحظى بقطرة من رائحتها و دفئ حضنها الذي لم تعرفه سوى من خلال صورها و وشالها و قارورة عطرها.
ضمّي ملامح صورتها ..(2)
ضمّيها يمكن تفيق ..
تشهق أو ترد النفس ..
صوتها جرس ..
ينحب على بوابة الليل ..
يوقظ خدر جرحك ..
يتل من عينك احبال الدّمع
ضمّيها يمكن سمعت ..
انك تحبيها .. انك تحبيها ..
أهملتها زوجة أبيها فلم تحبها أبداً، لم تكن قاسية عليها ولكنها لم تمنحها شيئاً من حنانها واهتمامها الذين تغدقهما على أبناءها، كانت تنظر إلى نوف بشيء من الغيرة، تستفزها صور أمها المعلقة في إطارات مذهبة على جدران غرفتها وفوق مكتبها الصغير وداخل خزانات الكتب المفتوحة، أجبرتها على الاحتفاظ بها في ألبوم خاص داخل أدراج غرفتها. أوكلت أمور رعايتها لخادمتها الأسيوية واكتفت بسؤالها بين الحين والآخر عن دراستها و احتياجاتها الأخرى. رغم ذلك كانت مرحة، تزرع الفرحة والبهجة أينما حلت، أحبها الجميع خصوصاً أخوتها الصغار، تتسلل إلى القلوب كرائحة عطر ناعمة، استطاعت أن تكسب صداقات وعلاقات كثيرة، حظيت بتكريم معلماتها وزميلاتها بعد أن أنهت دراستها الثانوية بامتياز، لم تتمالك نفسها حينما سألتها معلمتها عن أمنياتها في هذه اللحظة، سكتت قليلاً .. ثم انهمرت دموعها على خديها كبلورات من الكريستال وغرقت في شهقات متقطعة تهز كتفيها وهي تحاول جاهدة أن تحبسها في صدرها، قالت وهي تبتلع عبرتها و تكفكف دمعها براحة يدها اليمنى وأطراف أناملها “أتمنى لو أن أمي كانت تقف أمامي في هذه اللحظة لأرتمي في حضنها وافترش لي من دفئ أمانها مقعداً للفرح والأماني الجميلة”. أشار لها والدها أن تتخصص في إدارة الأعمال فهو بحاجة لمساعدة ذكية و سكرتيرة جميلة يحبها وتحبه ولن يجد أذكى ولا أجمل منها في ظل غيرة زوجته الشديدة، ضحكت نوف وهوت لتتوسد حجر أبيها وتطوقه بيديها، قالت وقد دست رأسها في حضنه: “إن كان ذلك كفيل بأن أبقى معك طوال الوقت فناولني عقد الوظيفة لأوقعه الآن”.
استيقظت نوف من قيلولتها المعتادة وقت العصر بعد خروجها من الجامعة، أعادت النظر إلى هاتفها المحمول لتتأكد من مكالمتها الأخيرة، تتأمل في الاسم والصورة وابتسامة ناعسة تعكس على محياها نعومة مضيئة، في هذه الأثناء تذكرت والدها الذي سيصل إلى الرياض هذه الليلة بعد رحلة عمل طالت هذه المرة، نهضت مسرعة يدفعها شوقها وحبها له. كان شوقها هذه المرة مختلفاً .. حاجتها له مختلفة .. كانت تشعر برغبة ملحة للجلوس معه .. والحديث معه .. ربما أرادت الهروب من همومها ولو بشكل مؤقت لأنها لم تستطع أن تخبره بها لعلمها أنها قد تغضبه أو تخيب أمله .. ولكنها في المقابل تعتقد أنها لم تقترف إثماً .. لم تعد قادرة على التفكير .. فعواطفها قد سيطرت عليها في اتجاهين متناقضين يتجاذبانها كضحية بينهما لم تعد تملك من أمرها شيء في ظل غياب أبوها المتواصل وتجاهل زوجته لها .. كانت تنظر إلى عينيها من خلال المرآة وهي تسرح شعرها .. كانت تبحث عن نفسها .. تبحث عن مرسى لقلبها الذي يصارع أمواج الحياة العاتية وهي لا تمتلك بوصلة النجاة .. لا تدري أترسو إلى جنة أم ستغرق في اليم. قطع تفكيرها رنين هاتفها المحمول، تتأمل في اسم المتصل الذي اختارته له “ملاذي” تفاجأت وكأنها لأول مرة تقرأ هذا الاسم، لا تتذكر متى و لماذا سمت وليد بهذا الاسم .. طرأت في مخيلتها فكرة أزعجتها ولكنها طردتها مباشرة قبل أن تفسد عليها فرحتها باتصال وليد ..
[يتبع]
—————————
(1) أغنية قديمة لرباب
(2) مع الاعتذار الشديد للبدر، قصيدة لبدر بن عبدالمحسن بتصرف


) عن طريق هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات مقابل مبلغ دوري هو قيمة الرخصة أو الإيجار. يتميز الواي ماكس WiMax باستخدامه الأمثل و الأقل تكلفة للطيف الترددي مقابل الجيل الثالث 3.5G مما يعني أنه سيقلل من تكاليف البناء والتشغيل مما يؤدي إلى هامش ربح أعلى مما يؤدي إلى عائد استثماري أعلى مما يؤدي إلى مساحة تنافسية أوسع … الخ. انسوا الموضوع 























